الغزالي

76

المستصفى

غريق ، فصلاته صحيحة عند المتكلم فاسدة عند الفقيه ، وهذه الاصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيها ، إذ المعنى متفق عليه ، وأما إذا أطلق في العقود فكل سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه ، يقال أنه صح ، وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل ، فالباطل هو الذي لا يثمر ، لان السبب مطلوب لثمرته ، والصحيح هو الذي أثمر ، والفاسد مرادف للباطل في اصطلاح أصحاب الشافعي رضي الله عنه ، فالعقد إما صحيح وإما باطل ، وكل باطل فاسد . وأبو حنيفة أثبت قسما آخر في العقود بين البطلان والصحة ، وجعل الفاسد عبارة عنه ، وزعم أن الفاسد معتقد لإفادة الحكم ، لكن المعني بفساده أنه غير مشروع بوصفه ، والمعني بانعقاده أنه مشروع بأصله ، كعقد الربا فإنه مشروع من حيث أنه بيع ، وممنوع من حيث أنه يشتمل على زيادة في العوض ، فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا بين المشروع بأصله ووصفه جميعا ، فلو صح له هذا القسم لم يناقش في التعبير عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه ، إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله كما سبق ذكره . الفصل الثالث : في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة أعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء ، وإن أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع المقدر سمي قضاء ، وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في الوقت سمي إعادة فالإعادة اسم لمثل ما فعل ، والقضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود ، ويتصدى النظر في شيئين : أحدهما : أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل ، فلو أخر عصي بالتأخير ، فلو أخر وعاش ، قال القاضي رحمه الله ما يفعله هذا قضاء لأنه تقدر وقته بسبب غلبة الظن وهذا غير مرضي عندنا ، فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال حكمه ، وصار كما لو علم أنه يعيش ، فينبغي أن ينوي الأداء ، أعني المريض إذا أخر الحج إلى السنة الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي . الثاني : أن الزكاة على الفور عند الشافعي رحمه الله ، فلو أخر ثم أدى فيلزم على مساق كلام القاضي رحمه الله أن يكون قضاء ، والصحيح أنه أداء لأنه لم يعين وقته بتقدير وتعيين ، وأنما أوجبنا البدء بقرينة الحاجة وإلا فالأداء في جميع الأوقات موافق لموجب الامر وامتثال له ، وكذلك من لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر فلا نقول أنه قضاء القضاء ، ولذلك نقول : يفتقر وجوب القضاء إلى أمر مجدد ، ومجرد الامر بالأداء كاف في دوام اللزوم ، فلا يحتاج إلى دليل آخر وأمر مجدد ، فإذا الصحيح أن اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل . دقيقة : أعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة ، فإنه تلو الأداء وللأداء أربعة أحوال : الأولى : أن يكون واجبا ، فإذا تركه المكلف عمدا أو سهوا وجب عليه القضاء ، ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو ، فالاتيان بمثله بعده يسمى قضاء حقيقة . الثانية : أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض ، فإنه حرام ، فإذا صامت بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض ، وحقيقته أنه فرض مبتدأ ، لكن لما تجدد هذا الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه سمي قضاء ، وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا : وجب الصوم على الحائض دون الصلاة ، بدليل وجوب القضاء ، وجعل هذا